أحمد بن علي القلقشندي

276

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

على أنّها الأيّام قد صرن كلَّها عجائب حتّى ليس فيها عجائب ! ! من قوم هم ما هم : شرب مناسب ، وطيب مكاسب ، قد أمكنتهم المعالي ، وطاوعتهم الأيام واللَّيالي ، وخدمتهم جواري السّعود ، وتطامنت لكلّ منهم مراقي الصّعود ؛ كابر بسكون الجأش منحدر ( 1 ) ( ؟ ) وكنت قد استجديت كلَّا منهم ولكن بالكلام ، واستسقيت ولكن قطرة من غمام الأقلام : وأيسر ما يعطي الصّديق صديقه من الهيّن الموجود أن يتكلَّما ! « وليسعد النّطق إن لم يسعد الحال » فضنّ وظنّ ما ظنّ ، واستعطف بنسيم الكلام غصن يراعه فما عطف ولا حنّ ؛ وبخل بما رزقه اللَّه فإنّ الفضيلة من الرّزق ، وحرمني لذّة ألفاظه فإنها التي إذا أدخلت في رقّ دخل حرّ البلاغة تحت ذلك الرّق ؛ وهل هو البحر فكيف شحّ بمدّة من مدّه ، والغيث ولا أقول : إن الذي حبسه إلا ما قسمه اللَّه تعالى من الحظَّ عند عبده : وإذا الزّمان جفاك وهو أبو الورى طرّا فلا تعتب على أولاده ! فأعلى اللَّه كلمة سيدنا العلَّامة في الدّارين ، وشكر غنيّ جود كرمه وكلمه الدّارّين ؛ [ فهو ] صاحب ديوانهم ، وحجّة زمانهم ؛ فلقد وصفني بما يزيد على الجواب ، وشافهني من الشّكر بما لا يتوارى من الرّزق بحجاب ، وأمّنني العزّ والزمان حرب ، ونصرني والأيام سيوف تتنوّع من الضّرب في كلّ ضرب ، وأعطاني كرمه والمحلّ محل ، وفي قلب الزّمان ذحل ( 2 ) ، ونحلني شهدة إحسانه والأوقات كإبر النّحل ، حتى عذرني في حبّه من كان من اللائمين ، واهتديت من لفظه وفضله بقمرين لا يميل أحدهما ولا يمين ، وصلت من جاهه وماله بيدين إلا أن كلتيهما في الإعراض يمين : ويلومني في حبّ علوة نسوة جعل الإله خدودهن نعالها !

--> ( 1 ) كذا في الطبعة الأميرية . ولعل في العبارة سقطا . ( 2 ) الذّحل : الحقد .